
كتبت: ياسمين النديم
آلاف من السنين مرت وما زالت السماء والأرض والمياه تروي قصة حضارة عرفت مجداً عندما كانت الأشجار تظلل دروبها والحيوانات تسرح في وهادها .. إنها تدمر، حيث بوابات معابدها تضاهى اضخم معابد العالم ، والنحت والزخرفة فيها يرسمان عالماً ساحراً مستقلاً بذاته وسط الصحراء الشاسعة
مازالت تدمر عروسة البادية ، ومازالت آثارها من أكثر المواقع الأثرية شهرة في العالم، ولقد وصلت إلى أوج ازدهارها في عصر زنوبيا، وكانت محطة أساسية لقوافل الشرق والغرب، ونالت من روما مكانة رفيعة. فلقد اعترف هادريان باستقلالها المحدود وأطلق عليها اسم هادريانا ثم حصلت على تسمية المستعمرة في عصر الآسرة السيفيرية السورية التي حكمت روما 211-235م
تدمر.. جغرافيا وتاريخيا
في البداية يقول المهندس السوري بشر البرى خبير التخطيط العمرانى ان منطقة السلاسل التدمرية تتكون من مجموعتين، الأولى الجبال التدمرية الشمالية والثانية الجبال التدمرية الجنوبية، وتمتد الأولى من جبل البشري حتى أطراف حمص بطول 220كم. وتمتد الثانية بين الضمير وتدمر بطول 175كم. ويفصل بين المجموعتين حوض الدو بمساحة أربع آلاف كم2
وتقع حوضة تدمر عند التقاء المجموعتين في الشرق، ومساحتها 550كم2 ، وتحتوي الجبال التدمرية الجنوبية على مكامن الحديد والكبريت والفوسفات والنفط بالإضافة إلى الينابيع الكبريتية
وفي عام 1982 تم اكتشاف منطقة نفطية في البادية تقع بين جنوب مجرى نهر الفرات وشمال السلسلة التدمرية، وتدفق النفط أولاً من بئرين في محدب التيّم على عمق 795م ومن نقطة اخرى على عمق شديد. وهو نفط خفيف قامت باستثماره شركة نفط الفرات.
من هذه البادية ـ ولازال الكلام للمهندس البرى ـ نشأت تدمر كمحطة للقوافل نظراً لوجود عين ماء فيها. ولقد دلت التنقيبات على وجود تجمعات بشرية تعود إلى العصر الحجري القديم في موقع جرف العجلة وكهف الدواره، وثنية البيضا.كما أبانت التحريات على وجود مستوطن أقام فيه الإنسان في العصر الحجري الحديث أي منذ سبعة آلاف عام ق.م.
وقد ورد اسم تدمر في رقم طينية تعود إلى القرن الثامن عشر ق.م ، وكانت منذ القرن الرابع ق.م زاهرة ولكنها أصبحت إمارة عربية في القرن الثاني ق.م ،وكانت عاصمة التجارة الدولية بين الشرق والغرب، حكمتها أسرة عربية من أشهر ملوكها اذينة الأول وحيران واذينة الثاني زوج زنوبيا ووالد وهب اللات، يساعدهم مجلس الشيوخ والشعب. ويذكر المؤرخون أن تدمر وصلت أوج ازدهارها في عصر آل أذينة في القرن الثالث الميلادي، ولكن تدمر كانت موجودة منذ العصر العموري فلقد ورد اسمها في وثائق ماري القرن 18 ق.م وفي وثائق ايمار القرن 14 ق.م.
يقول د. محمد بيومي مهران في كتاب دراسات في تاريخ العربي القديم: اسم تدمر اسم سامٍ يرجع ظهوره للمرة الأولى إلى أيام الملك الأشوري (تجلات بلاسر 1116 - 1090 قبل الميلاد)، واسم تدمر فهو النطق الآرامي لكلمة (تتمر) العربية وربما كان اسم تدمر له أصل بكلمة (تدمورنا) السريانية.
وكانت تدمر في عصر السلوقيين مدينة مستقلة، وفي القرن الثاني الميلادي كانت تدمر قد استقرت كإمارة عربية مثل البتراء وحمص وإمارة الإيثوريين في لبنان. ولقد اشترك شيخ من تدمر يدعى "زبدي بل" مع السلوقيين في حربهم مع البطالمة عام 217 ق.م ، و كان يقود عشرة آلاف مقاتل.
هكذا لم تكن تدمر مجهولة قبل العصور الرومانية في الشرق ، فلقد كانت حاضرة بسبب موقعها الجغرافي الذي يسهل التجارة بين الشرق والغرب، وأصبحت محطة دولية يتوافد إليها الرحالة والتجار من كل حدب، وكانت السيادة فيها قبل العصر الروماني للآراميين سكان بلاد الشام، الذين أسسوا حضارة واسعة من أقصى الجزيرة إلى الساحل السوري، وكانت الممالك الآرامية زاهرة، وبخاصة مملكة آرام دمشق، التي ذكرت في القرآن الكريم ( إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ).
ويقول المهندس بشر البرى انه يشهد على الحضور الآرامي في تدمر الاكتشاف































